الشيخ محمد النهاوندي

598

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

ثمّ كأنّه قيل : ماذا يصنعون من العجائب حين ينظر إليهم ؟ فأجاب سبحانه : يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ الذي أوتوا نصيبا منه ، وآمنوا به لِيَحْكُمَ ذلك الكتاب بأوضح بيان ( فيما ) وقع الاختلاف فيه بَيْنَهُمْ وبين النبيّ والمسلمين . ثُمَّ يقع منهم ما هو في غاية المباينة من إيمانهم بالكتاب ، وهو أنّه يَتَوَلَّى عن تلك الدّعوة ولا يجيبها فَرِيقٌ مِنْهُمْ بعد علمهم بوجوب الرّجوع إليه ، والالتزام بما فيه وَهُمْ في هذا الحال مُعْرِضُونَ عن ذلك الكتاب وأحكامه بقلوبهم . وقيل : إنّ المراد : أنّ ديدنهم الإعراض عن الحقّ ، والإصرار على الباطل . روي أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله دخل مدارس اليهود ، فدعاهم إلى الإيمان ، فقال له رئيسهم نعيم بن عمرو : وعلى أيّ دين أنت ؟ قال صلّى اللّه عليه وآله : « على ملّة إبراهيم » قال : إنّ إبراهيم كان يهوديّا ، قال صلّى اللّه عليه وآله : « إنّ بيننا وبينكم التّوراة فهاتوها » ، فأبوا ، فنزلت « 1 » [ الآية ] . وعن الكلبي : أنّها نزلت في الرّجم : فجر رجل وامرأة من أهل خيبر ، وكانا في شرف منهم ، وكان في كتابهم الرّجم ، فأتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله رجاء رخصة عنده ، فحكم عليهم بالرّجم ، فقالوا : جرت علينا ، ليس عليهما الرّجم ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « بيني وبينكم التّوراة » قالوا : قد أنصفتنا ، قال : « فمن أعلمكم بالتوراة ؟ » قالوا : ابن صوريا ، فأرسلوا إليه ، فدعا النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بشيء من التّوراة فيه الرّجم دلّه على ذلك ابن سلّام ، فقال له : « اقرأ » فلمّا أتى على آية الرّجم وضع كفّه عليها ، وقام ابن سلّام فرفع إصبعه عنها ، ثمّ قرأ على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وعلى اليهود : إنّ المحصن والمحصنة إذا زنيا ، وقامت عليهما البيّنة رجما ، وإن كانت المرأة حبلى تربص حتى تضع ما في بطنها . فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله باليهوديين فرجما ، فغضب اليهود لذلك ، فرجعوا كفّارا ، فأنزل اللّه هذه الآية « 2 » . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 24 ] ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 24 ) ثمّ بيّن اللّه سبحانه علّة تولّيهم عن الكتاب ، وجرأتهم على اللّه بقوله : ذلِكَ التّولّي عن إجابة الدّعوة ، والإعراض بالقلب عن الكتاب ، كان بِأَنَّهُمْ قالُوا اختلافا من عند أنفسهم ، وافتراء على اللّه

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 2 : 15 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 2 : 15 .